الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

227

محجة العلماء في الأدلة العقلية

وان كان الرّاوى عدلا اماميّا وأوضح من هذا الكلام ما افاده قدوة المحققين بهاء الدين نور الله ضريحه في أوائل كتاب مشرق الشمسين قال استقر اصطلاح المتأخرين من علمائنا على تنويع الحديث المعتبر ولو في الجملة إلى الأنواع الثلاثة المشهورة اعني الصحيح والحسن والموثق فإنه ان كان جميع سلسلة سنده اماميّين ممدوحين بالتوثيق فصحيح أو اماميين ممدوحين بدونه كلا أو بعضا فحسن أو غير اماميين كلا أو بعضا مع توثيق الكلّ فموثق وهذا الاصطلاح لم يكن معروفا بين قدمائنا كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم في بيان أمور يوجب الوثوق بالخبر بل كان المتعارف بينهم اطلاق الصّحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضى اعتمادهم عليه أو اقترن بما يوجب الوثوق به والركون اليه وذلك بأمور منها وجوده في كثير من الأصول الأربعمائة الّتى نقلوها من مشايخهم بطرقهم المتّصلة بأصحاب العصمة عليهم السّلام وكانت متداولة لديهم في تلك الاعصار مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار ومنها تكرره في أصل أو أصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة ومنها وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين اجمعوا على تصديقهم كزرارة ومحمد بن مسلم والفضل بن يسار أو على تصحيح ما يصحّ عنهم كصفوان بن يحيى ويونس بن عبد الرّحمن وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أو على العمل برواياتهم كعمّار الساباطي وغيرهم ممّن عدهم شيخ الطائفة في العدّة كما نقله عنه المحقق في كتب التراوح من المعتبر ومنها اندراجه في أحد الكتب الّتى عرضت على الأئمة عليهم السّلام فأثنوا على مصنّفيها ككتاب عبيد اللّه بن علي الحلبي الذي عرضه على الصادق عليه السّلام وكتابي يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري عليه السّلم ومنها كونه مأخوذا من الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها سواء كان مؤلفوها من الفرقة الناجية المحقّة ككتاب الصّلاة لحريز بن عبد الله وكتب ابن سعيد وعلي بن مهزيار أو من غير الاماميّة ككتاب حفص بن غياث القاضي وكتب الحسين بن عبيد الله السّعدى وكتاب القبلة لعلي بن الحسين الطاطري وقد جرى ثقة الاسلام رئيس المحدثين محمد بن بابويه على متعارف المتقدمين من اطلاق الصّحيح على ما يركن اليه ويعتمد عليه فحكم بصحة جميع ما أورده من الأحاديث في كتاب من لا يحضره الفقيه وذكر انه استخرجها من الكتب المشهورة عليها المعول وإليها المرجع وكثير من الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخرين ومنخرط في سلك الحسان بل الموثقات بل الضعاف وقد سلك ذلك المنوال جماعة من اعلام علماء الرجال فحكموا بصحة حديث بعض الرواة الغير الاماميّة كعلى بن محمد بن رياح وغيره لما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم والاعتماد عليهم وان لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الاجماع على تصحيح ما يصح عنهم والذي بعث المتأخرين على العدول عن متعارف القدماء ووضع ذلك الاصطلاح الجديد هو انّه لمّا طالت الأزمنة بينهم وبين الصدر السّالف وآل الحال إلى اندراس بعض كتب الأصول المعتمدة لغلظ حكام الجور والضلال والخوف من اظهارها وانتساخها وانضم إلى ذلك اجتماع ما وصل إليهم من كتب الأصول في الأصول المشهورة في هذا الزمان والمثبت الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة واشتبهت المتكررة في كتب الأصول بغير المتكررة وخفى عليهم كثير من تلك الأمور التي كانت سبب وثوق القدماء بكثير من الأحاديث ولم يمكنهم الجرى على أثرهم في تميز ما يعتمد عليه مما لا يركن اليه فاحتاجوا إلى قانون يتميّز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها والموثوق